الخوف والرجاء
الحمد لله {غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ}، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، ، صلى الله وسلم عليه، وعلى آله وأصحابه أما بعد:
فاتقوا
الله تعالى فهي وصية ربكم لكم :{ولقد وصينا الذين أوتوا الكتاب من قبلكم وإياكم أن اتقوا الله}
عباد
الله :عبادتان متلازمتان يجب أن يجمع
المؤمن بينهما ,إنهما الخوف والرجاء ,فالخوف من عقاب الله نوع من أنواع العبادة،
ورجاء ثوابه نوع آخر من أنواع العبادة، ولا بد أن يجمع المسلم بين الخوف والرجاء دائما،
فالاعتماد على الخوف قنوط من رحمة الله , قال تعالى : {وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ
رَحْمَةِ رَبِّه إِلاَّ الضَّالُّونَ}، {إِنَّهُ لا يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ
إِلاَّ الْقَوْمُ الكَافِرُونَ}، والاعتماد على الرجاء فقط أمنٌ من مكر الله:
{أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ
الْخَاسِرُونَ}
ومن تأمل
نصوص كتاب الله وجد آيات الوعد إلى جانب آيات الوعيد ,وذكر الجنة إلى جانب ذكر
النار ليكون العبد دائما بين الخوف والرجاء لايأمن من عذاب الله ولا ييأس من رحمة
الله كما في قوله تعالى:{ وَالَّذِينَ هُمْ مِنْ عَذَابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ *
إِنَّ عَذَابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ}
وقوله:{ وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ
لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ} وقوله:{
نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ
الْعَذَابُ الْأَلِيمُ} , وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى
اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ : "لَوْ يَعْلَمُ الْمُؤْمِنُ مَا عِنْدَ
اللهِ مِنَ الْعُقُوبَةِ ، مَا طَمِعَ بِجَنَّتِهِ أَحَدٌ ، وَلَوْ يَعْلَمُ
الْكَافِرُ مَا عِنْدَ اللهِ مِنَ الرَّحْمَةِ ، مَا قَنَطَ مِنْ جَنَّتِهِ
أَحَدٌ".رواه مسلم
وقد وصف
الله أنبياءه وخواص أوليائه أنهم يدعون ربهم خوفا وطمعا ورغبا ورهبا ويرجون رحمته
ويخافون عذابه , فقال :{إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا
رَغَباً وَرَهَباً وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ} ، وقال :{أُوْلَئِكَ الَّذِينَ
يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمْ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ
وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَه}
أيها
الأخوة المؤمنون :إن الواجب على المؤمن أن يعيش في حياته معتدلا بين الخوف والرجاء
,يقول بن القيم رحمه الله :"الْقَلْبُ فِي سَيْرِهِ إِلَى اللَّهِ عَزَّ
وَجَلَّ بِمَنْزِلَةِ الطَّائِرِ، فَالْمَحَبَّةُ رَأْسُهُ، وَالْخَوْفُ
وَالرَّجَاءُ جَنَاحَاهُ، فَمَتَى سَلِمَ الرَّأْسُ وَالْجَنَاحَانِ فَالطَّائِرُ
جَيِّدُ الطَّيَرَانِ، وَمَتَى قُطِعَ الرَّأْسُ مَاتَ الطَّائِرُ، وَمَتَى فُقِدَ
الْجَنَاحَانِ فَهُوَ عُرْضَةٌ لِكُلِّ صَائِدٍ وَكَاسِرٍ، وَلَكِنَّ السَّلَفَ
اسْتَحَبُّوا أَنْ يَقْوَى فِي الصِّحَّةِ جَنَاحُ الْخَوْفِ عَلَى جَنَاحِ
الرَّجَاءِ، وَعِنْدَ الْخُرُوجِ مِنَ الدُّنْيَا يَقْوَى جَنَاحُ الرَّجَاءِ
عَلَى جَنَاحِ الْخَوْفِ،
وقال بعض
العلماء:"أَكْمَلُ الْأَحْوَالِ: اعْتِدَالُ الرَّجَاءِ وَالْخَوْفِ،
فالرَّجَاءُ حَادٍ، وَالْخَوْفُ سَائِقٌ، وَاللَّهُ الْمُوَصِّلُ بِمَنِّهِ
وَكَرَمِهِ".
وهذا هو
الصراط المستقيم الذي ينبغي أن يسير عليه المسلم، يكون بين الخوف والرجاء، فيخاف
من ذنوبه فيتوب، ويرجو رحمة الله فيكثر من الحسنات والطاعات، فكل رجاء لايحمل
صاحبه على فعل المأمورات لايعد رجاء بل هو مغالطة ,وأمن من مكر الله,إن الرجاء
الصادق هو الذي يدفع صاحبه إلى فعل الخير والاستزادة من أعمال البر,كما قال
تعالى:{ فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلا صَالِحًا وَلا
يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا}
فاتقوا
الله، أيها المؤمنون ، ولا تغفلوا عن الجنة والنار،ولا تقنطوا من رحمة الله ولا
تأمنوا عذاب الله؛ {فَإِذَا جَاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرَى * يَوْمَ يَتَذَكَّرُ
الْإِنْسَانُ مَا سَعَى * وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرَى * فَأَمَّا مَنْ
طَغَى * وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى *
وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ
الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى}
بارك
الله لي ولكم في القرآن العظيم ونفعنا بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول
ماتسمعون، واستغفر الله لي ولكم ولجميع المسلمين من كل ذنب فاستغفروه إنه هو
الغفور الرحيم
الحمد لله
على فضله وإحسانه،وأشكره على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله الله وحدهُ لا شريك
له تعظيما لشأنه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه،
وسلم تسليماً كثيرا، أما بعد:
فاتقوا
الله تعالى، واعلموا أن الجمع بين الخوف والرجاء يثمر العمل الصالح والإكثار من
الحسنات، والتوبة من الذنوب والسيئات، فكونوا دائما بين الخوف والرجاء لا تغفلوا
عن هذا الأصل فإنه أصل عظيم، فمن قنط من رحمة الله خسر، ومن أمن من مكر الله
خسر،واعلموا أن الجنة لا تنال بالتمني وإنما تنال بالأعمال الصالحة بعد رحمة الله
سبحانه وتعالى، فليس الإيمان بالتمني ولكنه ما وقر في القلوب وصدقته الأعمال،
فالذي يؤمن بالجنة والنار يعمل لهما، يعمل للجنة فيكثر من الحسنات ويعمل ما ينجيه
من النار فيتجنب السيئات والخطيئات ولا أحد يسلم من الذنوب إلا من عصمه الله
سبحانه وتعالى، ولكن الله فتح بابه للتائبين وهذا من رحمته سبحانه أنه لا يعاجلهم
بالعقوبة؛ بل يمهلهم، ويدعوهم إلى الجنة وإلى التوبة، {وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ
وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ
يَتَذَكَّرُونَ} فأروا الله من أنفسكم خيرا وصلوا وسلموا على نبيكم كما أمركم
بذلكم ربكم فقال قولا كريما:{ {إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى
النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا
تَسْلِيمًا}
اللهم
صلِّ على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد ,
وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد
، وارض اللهم عن الخلفاء
الراشدين، أبي بكر وعمر عثمان وعلي، وعن سائر الصحابة أجمعين ، والتابعين لهم
بإحسان إلى يوم الدين وعنا معهم بجودك وكرمك يا أكرم الأكرمين.
اللهم إنا
نسألك خشيتك في الغيب والشهادة وكلمة الحق في الغضب والرضا ونسألك القصد في الفقر والغنى
ونسألك نعيما لاينفد ,وقرة عين لاتنقطع ونسألك الرضا بعد القضاء,ونسألك برد العيش
بعد الموت ونسألك لذة النظر إلى وجهك والشوق إلى لقائك من غير ضراء مضرة ولافتنة
مظلة , اللهم زينا بزينة الإيمان واجعلنا هداة مهتدين, اللهم أصلح لنا شأننا كله ولا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين , اللهم أعز الإسلام والمسلمين وأذل الكفر والكافرين,اللهم وفق إمامنا
وولي أمرنا لماتحب وترضى وشد أزره بولي عهده وأصلح لهما بطانتهما وقهما كل شر,
ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار , وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين