وقفات للمسلم في شهر شعبان
إنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ
وَنَسْتَعِينُهُ ونستغفره، ونعوذ باللهِ من شرورِ أنفسِنا، وسيئاتِ أعمالِنا، مَنْ
يَهْدِهِ اللَّهُ فَلاَ مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلاَ هَادِىَ لَهُ،
وَأَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ وَأَنَّ
مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، عليه وآلهِ صلاتُه وسلامُه وبركاتُه.
"يا أيها الذينَ آمنوا اتقوا اللهَ حقَ تقاتِه ولا تموتُنَّ
إلا وأنتم مسلمون".
أما بعد: فيا إخواني الكرام:
وتدورُ الأيامُ دورتَها، وها هو شهرُ شعبانَ قد هلَّ علينا بخيرِهِ
وفضلِهِ وقارب الانتصاف ، شهرُ
شعبانَ الذي كانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُعظِّمُهُ ويحب الصَّوْمَ فِيهِ أكثرَ من غيرِه
من الشهورِ، قَالَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ-رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-: "كَانَ
رَسُولُ اللهِ ﷺ يَصُومُ فَلَا يُفْطِرُ حَتَّى نَقُولَ: مَا فِي نَفْسِ رَسُولِ
اللهِ ﷺ أَنْ يُفْطِرَ الْعَامَ، ثُمَّ يُفْطِرُ فَلَا يَصُومُ حَتَّى نَقُولَ:
مَا فِي نَفْسِهِ أَنْ يَصُومَ الْعَامَ، وَكَانَ أَحَبُّ الصَّوْمِ إِلَيْهِ فِي
شَعْبَانَ".
ومن خصائصِ هذا الشهرِ أنَّ أعْمَالَ الْعَامِ الْمَاضِي تُرْفَعُ
إلى اللهِ-تعالى-وتُعرضُ عليهِ، قال ﷺ: "هُوَ شَهْرٌ تُرْفَعُ فِيهِ
الْأَعْمَالُ إِلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ، فَأُحِبُّ أَنْ يُرْفَعَ عَمَلِي وَأَنَا
صَائِمٌ".
وهذا دليلٌ على أنَّ الأعمالَ لا ترفعُ آخرَ العامِ-كما يظنُّ بعضُ
الناسِ-وإنما في شهرِ شعبانَ.
أما أَعْمَالُ الْأُسْبُوع فَتُعْرَضُ: يَوْمُ الِاثْنَيْنِ
وَالْخَمِيس، قَالَ أَبوُ هُرَيْرَةَ-رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-: كَانَ رَسُولُ اللهِ
ﷺ أَكْثَرَ مَا يَصُومُ الِاثْنَيْنَ وَالْخَمِيسَ، فَقِيلَ لَهُ، فَقَالَ:
"إِنَّ الْأَعْمَالَ تُعْرَضُ كُلَّ اثْنَيْنِ وَخَمِيسٍ- فَيَغْفِرُ
اللهُ-عَزَّ وَجَلَّ-لِكُلِّ مُسْلِمٍ ومُؤْمِنٍ إِلَّا الْمُتَهَاجِرَيْنِ،
فَيَقُولُ: أَخِّرْهُمَا".
أما َالأَعْمَالُ الْيَوْمِيةِ: فَتُرْفَع فِي آخِرِ كُلِ يومٍ
قَبْل اللَّيْل، وَفِي آخِرِ كُلِ لَيْلٍ قَبْلَ النَّهَارِ، عَنْ أَبِي
مُوسَى-رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-قَالَ: قَامَ فِينَا رَسُولُ اللهِ ﷺ بِأَرْبَعٍ:
"إِنَّ اللهَ لَا يَنَامُ وَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَنَامَ، يَرْفَعُ
الْقِسْطَ وَيَخْفِضُهُ، وَيُرْفَعُ إِلَيْهِ عَمَلُ النَّهَارِ بِاللَّيْلِ،
وَعَمَلُ اللَّيْلِ بِالنَّهَارِ"، وَقَالَ ﷺ: "يَتَعَاقَبُ فِيكُمْ،
مَلاَئِكَةٌ بِاللَّيْلِ وَمَلاَئِكَةٌ بِالنَّهَارِ، وَيَجْتَمِعُونَ فِي صَلاَةِ
الْفَجْرِ وَصَلاَةِ الْعَصْرِ، ثُمَّ يَعْرُجُ الَّذِينَ بَاتُوا فِيكُمْ
فَيَسْأَلُهُمْ رَبُّهُمْ، وَهُوَ أَعْلَمُ بِهِمْ، كَيْفَ تَرَكْتُمْ عِبَادِي
فَيَقُولُونَ تَرَكْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ، وَأَتَيْناهُمْ وَهُمْ
يُصَلُّونَ"، تَأْتِي الثانيةُ بعد الأولى، ثُمَّ تَعُودُ الْأُولَى بعدَ
الثَّانِيَةِ، وَمِنْ لُطْف الله-تَعَالَى-بِعِبَادِهِ وَإِكْرَامِه لَهُمْ بِأَنْ
جَعَلَ اِجْتِمَاعَ مَلَائِكَتِه فِي حَالِ طَاعَةِ عِبَادِه، لِتَكُونَ
شَهَادَتُهمْ لَهُمْ بِأَحْسَنِ الشَّهَادَة، والمَلاَئِكَةُ هُمْ الْحَفَظَة
عَنْدَ الْجُمْهُور، وَسُؤَالُ اللهِ لَهُمْ-وَهُوَ أَعْلَمُ-يَحْتَمِلُ أَنْ
يَكُونَ تَعَبُّدًا لِلْمَلَائِكَةِ كَمَا أَمَرَهُمْ اللَّهُ أَنْ يَكْتُبُوا
وَيُحْصُوا أَعْمَالَ الْعِبَادِ وَهُوَ عَالِمٌ بِسِرِّهِمْ وَجَهْرِهِمْ.
وَإِذَا اِنْقَضَى الْأَجَل رُفِعَ عَمَلُ الْعُمْرِ كُلُّه،
وَطُوِيَتْ صَحِيفَةُ الْعَمَلِ، وانقطعَ إلا مما استثنى رسولُ اللهِ ﷺ بقوله:
"إِذَا مَاتَ الْإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثَةٍ
إِلَّا مِنْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ
يَدْعُو لَهُ"، وَهَذِهِ الْمَسَائِل مِنْ أَسْرَار مَسَائِل الْقَضَاء
وَالْقَدَر.
ومن خصائصِ شهر شعبان: أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ أخبرنا: أنَّ اللهَ
"يَطْلُعُ إِلَى خَلْقِهِ فِي لَيْلَةِ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ فَيَغْفِرُ
لِجَمِيعِ خَلْقِهِ إِلَّا لِمُشْرِكٍ أَوْ مُشَاحِنٍ"، والمشاحنُ: هو
المخاصمُ لأخيه المسلمِ أو الهاجرُ له، أو الحاقدُ عليهِ، قَالَ ﷺ: "إِذَا
كَانَ لَيْلَةُ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ اطَّلَعَ اللهُ إِلَى خَلْقِهِ
فَيَغْفِرُ لِلْمُؤْمِنينِ، وَيُمْلِي لِلْكَافِرِينَ، وَيَدَعُ أَهْلَ الْحِقْدِ
بِحِقْدِهِمْ حَتَّى يَدَعُوهُ".
فينبغي لكلِّ مسلمٍ يريدُ رضا اللهِ-سبحانه وتعالى-والجنةَ أن يسعى
بالصلحِ بينه وبين المتخاصمينَ معه أو مع غيرِه.
وهنا تنبيه مهم: فضلُ هذه الليلةِ ومغفرةُ الذنوبِ فيها لا يعني
تخصيصَ يومِها بصيامٍ، ولا ليلَها بقيامٍ، لأنَّه لم يثبتْ-فيما يُعلمُ-أنَّ رسولَ
اللهِ ﷺ أو أصحابَه-رضي اللهُ عنهم-خصوها بشيءٍ، بل كان صيامُه في شعبانَ عامًا.
أستغفر اللهَ لي ولكم وللمسلمين...
الخطبة الثانية
الحمدُ للهِ كما يحبُ ربُنا ويرضى، أَمَّا بَعْدُ:
فهذا أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ-رضي الله عنه-قَالَ: قُلْتُ لِلنَبِيِ
ﷺ: "لَمْ أَرَكَ تَصُومُ مِنْ شَهْرٍ مِنَ الشُّهُورِ مَا تَصُومُ مِنْ
شَعْبَانَ قَالَ: ذَاكَ شَهْرٌ يَغْفُلُ النَّاسُ عَنْهُ بَيْنَ رَجَبٍ
وَرَمَضَانَ، وَهُوَ شَهْرٌ تُرْفَعُ فِيهِ الْأَعْمَالُ إِلَى رَبِّ
الْعَالَمِينَ، فَأُحِبُّ أَنْ يُرْفَعَ عَمَلِي وَأَنَا صَائِمٌ".
ففي شهرِ شعبانَ تُخْتَـتَمُ صحيفتُك وحَصَادُ عامِك المنصرم، فما
الحال التي تحبُ أن يراكَ اللهُ عليها وأنت تَخْتَتِمُ عملَ عامِك، في وقتَ رفعِ
الأعمالِ؟
فهل تحبُ أن يُرفعَ عملُك وأنت في طاعةِ اللهِ، وثباتٍ على دينِهِ؟
أم تحبُ أن يرفعَ عملُك وأنت في كسلٍ، وضعفِ همةٍ، وقلةِ بذلٍ
للمحتاجِ، وأذًى للعبادِ، وقطعٍ وهجرٍ للأقاربِ والأرحامِ؟
راجعْ نفسَك وبادرْ بالأعمالِ الصالحةِ قبلَ رفعِها إلى مولاك في
شهرِ رفعِ الأعمالِ، فلقد بلغَ رسولُ اللهِ ﷺ قمةَ الحياءِ منَ اللهِ لما قالَ:
"أُحِبُّ أَنْ يُرْفَعَ عَمَلِي وَأَنَا صَائِمٌ". ولنا فيه أسوة حسنة،
"لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ
يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا".
ومتى ما صار هَمُّ المسلمِ وشغلُه الشاغلُ الحياءَ من نظرِ اللهِ
إليه أفلحَ ونجحَ.
فيستحي من أوقاتٍ قضاها في غيرِ ذكرِ للهِ.
ويستحي من أعمالٍ لم يُردْ بها وجهَ اللهِ.
ويستحي من طاقاتٍ وقُدراتٍ لم يستنفذْها في طاعةِ اللهِ.
ويستحي من كتابةٍ كتبها، أو صورةٍ أرسلها عبرَ وسائلِ التواصلِ
الاجتماعيِ فشرَّقتْ وغربتْ بشرِّها، وتَحَمَّلَ هُوَ وزرَها، ووزرَ من ضلَّ بها
إلى يومِ القيامةِ، ألا ساءَ ما يزرونَ.
ويستحي من وجودِ أموالٍ ونِعَمٍ بخل بها ولم ينفقْ منها في سبيلِ
اللهِ، وهو يرى المحتاجينَ من المسلمينَ.
ويستحي من كلِّ ما كتبتْه الملائكةُ في صحيفتِه من تقاعسٍ وتقصيرٍ.
ويستحي من كلِّ ما يراهُ اللهُ في صحيفتِه من سوْءاتٍ وعوراتٍ.
كلُّ ذلك وغيرُه يستوجبُ منا الحياءَ من اللهِ، وخشيتَه في
الغيبِ والشهادةِ، قبل أنْ يأتيَ يومٌ لا ينفعُ فيه مالٌ ولا بنونَ إلا من أتى
اللهَ بقلبٍ سليمٍ، "وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى
إِلَى كِتَابِهَا الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ*هَذَا كِتَابُنَا
يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ
تَعْمَلُونَ"، فاللهم هونْ علينا وعلى المسلمينَ الحسابَ، ووفقنا وإياهم
لصالحِ الأعمالِ.